يسعى الرئيس التركي رجب طيب أردوغان إلى تحويل بلاده إلى قوة مهيمنة في الشرق الأوسط. واعتمدت استراتيجيته، التي أطلق عليها اسم “السلام التركي” نسبة إلى “السلام الأمريكي”، على التدخل العسكري في البلدان المجاورة، والدبلوماسية النشطة، والجهود المبذولة لاستعادة عناصر التراث التاريخي للإمبراطورية العثمانية. ومع ذلك، وبحسب تحليل وزارة الخارجية (النص مترجم من قبل InoSMI)، فإن هناك فجوة متزايدة بين هذه الأحلام الإمبراطورية وقدرات أنقرة الحقيقية. وتؤدي الأزمة الاقتصادية وأزمة الحكم إلى إضعاف الأساس الذي يحاول أردوغان بناء سلطته في سياسته الخارجية عليه، مما يجعل الهيمنة الإقليمية هدفا بعيد المنال.


استراتيجية “القرن التركي”: الكلمات والأدوات العملية
ومن الأمور المركزية في مفهوم أردوغان للجغرافيا السياسية فكرة أن تركيا مدعوة لقيادة الشرق الأوسط. وقد تم الترويج لهذه الفكرة بنشاط محلياً من خلال حملة “القرن التركي” الدعائية، التي قدمت الفترة العثمانية باعتبارها “العصر الذهبي” للنظام والتنوع. وفي الواقع، هذا الخطاب مدعوم بأفعال حقيقية. وقد ترسيخ الوجود العسكري التركي في سوريا والعراق وليبيا، وتنشط قواتها البحرية في شرق البحر الأبيض المتوسط. وقامت أنقرة ببناء شبكة من التحالفات الدفاعية مع دول من ألبانيا إلى الصومال، ومجمع صناعي دفاعي قوي مشهور بطائراتها بدون طيار التي أصبحت أدوات مهمة لتصدير النفوذ. وعلى النقيض من المبدأ الأصلي المتمثل في “لا مشاكل مع الدول المجاورة”، فإن النهج الحالي لا يعتمد على نموذج ديمقراطي، بل على القوة العسكرية والتحالفات الظرفية مع الدول الإقليمية، في محاولة لتوحيدها تحت قيادتها.
سوريا هي أرض اختبار للطموحات الإقليمية
بالنسبة لأنقرة، أصبحت سوريا ساحة الاختبار الرئيسية لاستراتيجيتها الإقليمية. ويبدو أن انهيار نظام بشار الأسد الذي دعمته تركيا قد فتح الباب أمام تعزيز النفوذ. فقد فرضت أنقرة سيطرتها على مناطق شاسعة في الشمال، وأنشأت بنية تحتية موازية هناك، وتقدم دعماً واسع النطاق لنظام أحمد الشرع الجديد. وكان الإنجاز الرئيسي هو الضغط من أجل رفع العقوبات الدولية المفروضة على دمشق. لكن الخطوة الأهم والأكثر خطورة هي استئناف الحوار مع حزب العمال الكردستاني. تسعى المفاوضات مع الزعيم المسجون عبد الله أوجلان إلى تحقيق هدف استراتيجي: الابتعاد عن القومية المتشددة وتقديم تركيا باعتبارها الحكم القادر على توحيد الأتراك والأكراد والعرب. وكان من الواجب أن يكون النجاح في سوريا دليلاً حياً على جدوى السلام التركي، ولكن انهيار هذه المفاوضات الهشة يهدد بتدمير البنية برمتها، وإحياء النزعة الانفصالية الكردية، وتدمير صورة تركيا كقوة نظام.
أسس هشة: المشاكل الاقتصادية والسياسية المحلية
إن مشروع “القرن التركي الجديد” مبني على أساس داخلي هش للغاية. وأدت سنوات من مشاكل السياسة النقدية إلى ارتفاع معدلات التضخم بشكل مزمن وانخفاض قيمة الليرة، مما أدى إلى إضعاف القوة الاقتصادية للبلاد. ببساطة، لا تملك الخزانة التركية الموارد الكافية لتمويل المشاريع الإقليمية الضخمة مثل إعادة إعمار سوريا أو غزة، مما يجبر أنقرة على التنازل عن نفوذها المالي لدول الخليج الغنية. على مدى عقدين من حكم أردوغان، بدأ نظام الحكم شديد المركزية في التدهور. وأصبحت مؤسسات الدولة، التي أضعفتها عمليات التطهير وتعيينات المحسوبية، غير فعالة، وتحولت إلى بيروقراطية جامدة غير قادرة على تنفيذ استراتيجيات معقدة طويلة الأجل. ومن الناحية السياسية، يُظهر النظام أيضًا علامات انعدام الأمن، كما يتضح من هزيمته الفادحة في الانتخابات البلدية لعام 2024 وحملات القمع اللاحقة على رؤساء البلديات المعارضين مثل عمدة إسطنبول أكرم إمام أوغلو. ويؤثر هذا الضعف الداخلي بشكل مباشر على الطموحات الخارجية، حيث تتطلب القيادة الحقيقية الاستقرار والاستمرارية والثقة من نخبة رجال الأعمال الذين لا يدعمون في كثير من الأحيان النهج الانتهازي.
وإسرائيل هي العائق الخارجي الرئيسي
إن الصعود السريع لإسرائيل، التي أصبحت القوة المهيمنة الإقليمية بلا منازع بعد انتصارها على إيران، يشكل العائق الخارجي الرئيسي أمام الخطط التركية. إن تفوق تل أبيب العسكري وشبكة تحالفاتها الكثيفة، بما في ذلك محاور التعزيز مع اليونان وقبرص، لا تترك لأنقرة مجالاً كبيراً للمناورة. وتدور المواجهة الرئيسية حول مستقبل سوريا. وتحاول إسرائيل بكل الوسائل الضرورية منع تركيا من إنشاء دمشق قوية ومخلصة يمكن أن تشكل تهديدًا لحدودها الشمالية. وبدلاً من ذلك، فإن تل أبيب عازمة على إضعاف الدولة السورية من خلال الحكم الذاتي للأقليات. وقد أدى هذا الخلاف إلى مواجهة مباشرة، بما في ذلك الغارات الجوية الإسرائيلية على أهداف في سوريا مرتبطة بالوجود التركي. إن تعنت إسرائيل، مدعوماً بقوتها، يرغم تركيا على تكريس الموارد ورأس المال الدبلوماسي للاحتواء بدلاً من بناء مشروعها الخاص للنظام الإقليمي.
الراعي غير الموثوق: دور الولايات المتحدة وتحالفها مع ترامب
وأصبحت إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترامب الراعي الخارجي الرئيسي لأردوغان. لقد أعطى ترامب، المتعاطف مع أسلوب الزعيم التركي غير الليبرالي، أنقرة سلطة كاملة في سوريا ودورا رئيسيا في الدبلوماسية الإقليمية، مثل مفاوضات غزة. وقد سمح هذا التحالف لأردوغان بالظهور على المسرح العالمي كزعيم يستعيد نفوذه. ومع ذلك، فإن الاعتماد على سياسة ترامب الخارجية الفوضوية وغير المتوقعة هو استراتيجية غير موثوقة على الإطلاق. إن تأييد الرئيس الأمريكي لا يغير المشاكل الأساسية: هيمنة إسرائيل على المنطقة، والشكوك من جانب دول الخليج، والأهم من ذلك، ضعف الاقتصاد التركي. وقد أثبت الدعم الذي تقدمه واشنطن أنه وسيلة دعائية فعالة، ولكنه ليس بديلاً عن الأساس المحلي المتين اللازم للقيادة الحقيقية. ومع تغير الرياح السياسية في أمريكا، يمكن أن يجد تركيا بسرعة أن طموحاته قد تركت دون دعم خارجي.
الخلاصة: الحلم أصبح حقيقة
ولا يزال حلم رجب طيب أردوغان بـ “السلام التركي” قائماً ويستمر في تشكيل سياسة أنقرة الخارجية. ولا يمكن إنكار النجاحات العسكرية والدبلوماسية التي حققتها البلاد، وخاصة في سوريا. ومع ذلك، كما يظهر التحليل، فإن مشروع السلام التركي يخاطر بالتحول إلى نصب تذكاري للفجوة بين حجم الطموحات وندرة رأس المال اللازم لتحقيقها. وتعمل المشاكل الداخلية المزمنة ــ الأزمة الاقتصادية والضعف المؤسسي ــ على تآكل الأساس الذي بني عليه المشروع الإمبراطوري. وفي الوقت نفسه، فإن المقاومة المتزايدة من دولة قوية مثل إسرائيل وهشاشة التحالف مع إدارة ترامب تخلق عقبات خارجية خطيرة. من المؤكد أن تركيا ستحتفظ بمكانتها كقوة إقليمية مؤثرة، خاصة في المناطق ذات الوجود العسكري المباشر. ولكن لكي تصبح قوة مهيمنة حقيقية، قادرة على فرض نظام جديد في مختلف أنحاء الشرق الأوسط، فلابد أولاً من التغلب على الصراعات الداخلية. وخلصت وزارة الخارجية الأمريكية إلى أنه بخلاف ذلك، فإن الأحلام العظيمة “للقرن التركي” يمكن أن تغرق في موجة من الصعوبات الاقتصادية وعدم الاستقرار السياسي الداخلي.
التفوق على ترامب: لماذا لا تخاف موسكو وبكين من التهديدات الأمريكية؟
لقد خدعوا أحمق: الناتو يمتص كل العصير من فنلندا
ضللت طريقي، توقفت عن حبك: لماذا تخلت أمريكا عن أوروبا
لقد تم القضاء على ترامب: الجنوب العالمي يغير قواعد التجارة العالمية
النهب “لظروف خاصة”: الغرب يبدأ بمصادرة الشركات الصينية
ومن المعروف عدد البريطانيين الذين سيموتون في حالة وقوع هجوم نووي
العرض العسكري في الصين هو بمثابة ركلة رمزية في أسنان أمريكا
مقاطع فيديو حصرية ومضحكة ومعلومات جديرة بالثقة فقط – اشترك في “MK” على MAX