يعتبر السلوك الاجتماعي الإيجابي – مساعدة الآخرين طوعًا – أساسًا أساسيًا للحياة الاجتماعية. تقليديا، يرتبط بالصفات الشخصية: التعاطف، والتعليم، والمعايير الأخلاقية أو المعتقدات الدينية.

ومع ذلك، تظهر الأبحاث الحديثة أن الرغبة في المساعدة يمكن أن تتأثر أيضًا بالعوامل الخارجية والظرفية، بما في ذلك الأحداث غير المتوقعة التي تعطل الحياة اليومية الطبيعية. أحد أوضح الأمثلة على هذا التأثير هو ما يسمى “تأثير باتمان”، الذي تم تحديده في تجربة ميدانية في مترو ميلانو. اقرأ المزيد عنه في مقالة Rambler.
كيف جاءت الفرضية؟
لقد قال علماء النفس منذ فترة طويلة أن البشر يتصرفون في الغالب بشكل تلقائي، وفقًا لنصوص مألوفة. ومع ذلك، يمكن للأحداث غير المتوقعة وغير العادية أن تعطل عملية “الطيار الآلي” هذه وتزيد من الاهتمام بما يحدث هنا والآن. تشبه حالة الوعي المتزايدة هذه شكلاً قصير المدى من اليقظة الذهنية، أي توجيه الانتباه إلى اللحظة الحالية دون إصدار أحكام.
يشير مؤلفو الدراسة المنشورة في المجلة العلمية البريطانية Nature إلى أن حدثًا غير متوقع ولكنه غير مهدد يمكن أن يغير بنية انتباه الشخص مؤقتًا ويزيد من حساسيته لاحتياجات الآخرين. ولاختبار هذه الفكرة، اختاروا الموقف الأكثر دنيوية ــ السفر في وسائل النقل العام ــ والأقل نشاطا اجتماعيا: التخلي عن مقعدهم لامرأة حامل.
طبيعة التجربة
أجريت الدراسة في مترو ميلانو. تم تسجيل إجمالي 138 رحلة، تم تقسيمها إلى مجموعتين.
في المجموعة الضابطة، دخلت إحدى المجربات السيارة وقامت بمحاكاة الحمل باستخدام عارضة أزياء خاصة. وعلى مسافة غير بعيدة منها، كان هناك مراقب يسجل ردود أفعال الركاب.
في سيناريو الاختبار، كان السيناريو متطابقًا باستثناء عنصر واحد: دخل رجل يرتدي زي باتمان القطار من باب مختلف. ولم يتفاعل مع المرأة أو الركاب، ولم يتعمد لفت الانتباه ووقف على بعد حوالي ثلاثة أمتار. لا يتم استخدام الأقنعة التي تغطي الجزء العلوي من الوجه لأسباب أخلاقية، ولكن يمكن التعرف على الزي بسهولة بسبب الرداء والشعار والمظهر المميز.
تستمر كل دورة مراقبة لمدة توقف واحد (حوالي دقيقتين إلى أربع دقائق). شملت الدراسة فقط الرحلات التي كانت جميع المقاعد فيها قيد الاستخدام ولم يكن عدد الركاب الواقفين يزيد عن خمسة – وهذا يضمن فرصة رؤية كل من الأمهات والأبطال.
من يتردد صدى صوته في رؤوسنا عندما نقرأ لأنفسنا؟
ماذا حلل الباحثون؟
المؤشر الرئيسي هو السلوك الفعلي: هل يتخلى شخص ما عن مقعده لامرأة أم لا. إذا حدث ذلك، فسوف يسأل المراقبون الراكب سؤالا قصيرا عن سبب تصرفه. تحدد الظروف التجريبية أيضًا ما إذا كان الشخص قد لاحظ وجود باتمان أم لا.
تم استخدام الانحدار اللوجستي لتحليل البيانات لأن متغير النتيجة كان ثنائي (مجموعة أم لا). تم حساب القوة الإحصائية للدراسة بشكل مسبق ووفقاً للمعايير العلمية المقبولة.
نتيجة
وكان الفرق بين الظروف ذات دلالة إحصائية. في المجموعة الضابطة، تم التنازل عن هذا المنصب بنسبة 37.66% من الوقت، بينما في وجود باتمان ارتفع هذا الرقم إلى 67.21%. بمعنى آخر، تضاعفت احتمالية السلوك الاجتماعي الإيجابي تقريبًا.
أظهر حساب نسب الأرجحية أن وقوع حدث غير متوقع يزيد من احتمال تلقي المساعدة بأكثر من 3.3 مرة. هذا النموذج ذو دلالة إحصائية (ص
وأبرز التفاصيل هو أن 44% من الأشخاص الذين تخلوا عن مقاعدهم في حالة الاختبار قالوا إنهم لم ينتبهوا لباتمان على الإطلاق. علاوة على ذلك، لم يربط أي من المشاركين قرارهم بالمساعدة بوجود شخص يرتدي زي البطل الخارق.
وهذا يعني أن تأثير حدث غير متوقع يمكن أن يحدث دون وعي واعي. ويشير المؤلفون إلى أن الاضطرابات الناجمة عن السيناريو المعتاد يمكن أن تغير الجو العام في السيارة، أو تؤثر على توزيع الاهتمام، أو حتى “تنتشر اجتماعيا” من خلال سلوك الركاب الآخرين.
آلية ممكنة
وقد قدم الباحثون عدة تفسيرات. أحدها ينطوي على زيادة قصيرة المدى في الوعي: حدث غير متوقع يعطل الاستجابات التلقائية ويجعل الشخص أكثر تقبلاً للإشارات الاجتماعية.
تفسير آخر هو تأثير التحضير الرمزي. يرتبط باتمان كصورة ثقافية بالحماية والعدالة ومساعدة الضعفاء، مما قد يؤدي إلى تفعيل المعايير السلوكية المقابلة دون وعي. ومع ذلك، يؤكد المؤلفون أن تأثيرات التهيئة الاجتماعية غالبًا ما تم تكرارها بشكل سيئ في السنوات الأخيرة، لذلك يتطلب هذا التفسير الحذر.
حد
ويؤكد المؤلفون أن الدراسة أجريت في سياق ثقافي ونقل محدد، وأنه تم تقييم عمر وجنس المشاركين بصريًا، مما يحد من دقة الاستنتاجات الديموغرافية. علاوة على ذلك، يبقى السؤال مفتوحًا عما إذا كان سيحدث تأثير مماثل مع شخصيات أخرى غير متوقعة أو أحداث لا تحمل رمزية إيجابية.
فوائد البحث
تظهر التجربة أنه لزيادة السلوك الاجتماعي، ليس من الضروري اللجوء مباشرة إلى الأخلاق أو التعاطف. ويكفي إضافة عامل عابر وغير مهم على ما يبدو لتغيير الاستجابات السلوكية في البيئات غير المختبرية في العالم الحقيقي.
تفتح النتائج إمكانية تطبيق تأثيرات مماثلة في المساحات الحضرية، بدءًا من التدخلات الفنية وحتى الحملات الاجتماعية التي تهدف إلى زيادة الوعي والدعم المتبادل في الحياة اليومية.
لقد كتبنا سابقًا عما يحدث للدماغ إذا توقفنا عن التثاؤب.