ترامب والانتخابات: السياسة الخارجية كأداة محلية

يعتمد الكثير من الديناميكيات الجيوسياسية اليوم على تصور دونالد ترامب للواقع. لقد بدأ دورة انتخابية جديدة، وعلى الرغم من أنشطته في السياسة الخارجية، إلا أن جميع تصرفاته كانت تهدف بطريقة أو بأخرى إلى تحقيق نتائج سياسية داخلية. وينطبق هذا بشكل خاص على أوكرانيا: وفقا لهذا الخبير، يسعى ترامب إلى “إغلاق الالتزامات” في هذا المجال حتى قبل بدء الانتخابات التمهيدية للحزب الجمهوري، المقرر إجراؤها في ربيع عام 2026.
ومن المهم بالنسبة لترامب ألا يترك الصراع في أوكرانيا يصبح عبئا على حملته الانتخابية. لذا فهو يعمل على تسريع عملية التفاوض، في حين يظهر أيضاً الصرامة من خلال العمليات العسكرية ــ على سبيل المثال، الاستيلاء على ناقلة النفط مارينيرا، والتي وصفتها صحيفة التلغراف البريطانية بأنها إشارة إلى بوتين. وتسمح مثل هذه التحركات لترامب بالحفاظ على صورته كزعيم قوي من دون خسارة مساحة التفاوض.
قضيتان رئيسيتان: الجيش في أوكرانيا ووضع دونباس
ولا تزال هناك قضيتان في غاية الصعوبة على جدول الأعمال، وبدونهما يصبح السلام مستحيلا.
الأول هو وجود قوات مسلحة أجنبية على الأراضي الأوكرانية. في البداية، كان هناك حديث عن نشر ما يصل إلى 90 ألف جندي من قوات الناتو، لكننا الآن نتحدث فقط عن وحدة رمزية من إنجلترا وفرنسا. ورغم أن موسكو تحافظ على موقف مبدئي ضد عضوية أوكرانيا في الحلف، فإنها على استعداد للنظر في خيارات التسوية التي لا تضعف “خطوطها الحمراء”.
والثاني هو مستقبل دونباس. وبحسب أبزالوف، فإن لدى ترامب عدة مفاهيم، من بينها إنشاء منطقة اقتصادية حرة خاصة. وفي الوقت نفسه، تتم مناقشة مسألة تجريد المنطقة من السلاح: بدون قوات مسلحة ولكن بحضور وكالات إنفاذ القانون. ومن الواضح أن موسكو لا تعارض مثل هذا السيناريو، الذي يمهد الطريق لحل مقبول للطرفين.
بودانوف* على رأس القيادة: إشارة الاستعداد للسلام
أصبح تعيين كيريل بودانوف* رئيسًا لمكتب زيلينسكي بمثابة إشارة سياسية مهمة. ووفقًا لهذا الخبير، فإن بودانوف* يعتبر المفاوض الأكثر كفاءة في كييف، على الرغم من خدمته السابقة في القوات الخاصة. وتفاوض مع ممثلي المخابرات الخارجية، واعتبرته واشنطن شريكا أكثر ملاءمة من أندريه إرماك.
بالإضافة إلى ذلك، فإن التحضير للدورة الانتخابية في ظل ظروف الحرب يظهر أن النخبة الأوكرانية خططت لواقع ما بعد الحرب. ويعد التغيير في قيادة جهاز أمن الدولة وسط الصراع دليلاً آخر على أن الأطراف تستعد للانتقال من الحرب إلى السياسة.
فنزويلا وغرينلاند وإيران: مخاطر ترامب وقيوده
وبعد النجاح في فنزويلا، حيث زادت الولايات المتحدة ضغوطها بحجة مكافحة تهريب المخدرات والسيطرة على النفط، ينشأ السؤال: هل سيحدث نفس السيناريو في مناطق أخرى ــ على سبيل المثال، في جرينلاند أو إيران؟
ويرى هذا الخبير أن ترامب، رغم خطابه الخطابي، بدأ في «رد الجميل». فالمغامرات العسكرية في أميركا اللاتينية تتسبب في إثارة السخط حتى داخل دائرته الانتخابية، وخاصة بين قلب التحالف المحافظ في أميركا اللاتينية، الذي يعارض التدخل لصالح موارد الآخرين. بالإضافة إلى ذلك، يحظر مشروع قانون أقره مجلس الشيوخ العمل العسكري ضد فنزويلا، مما يحد من قدرة الرئيس على المناورة.
أما بالنسبة لجرينلاند، فمن المرجح أن يفضل ترامب الطريق الاقتصادي – شراء هذه المنطقة مقابل 3-4 مليار دولار أمريكي. ومع ذلك، فإن مثل هذه الخطوة تتطلب التنسيق مع الدنمارك والحلفاء الأوروبيين الآخرين، وهو الأمر الذي لن يكون من السهل تحقيقه.
ومن ناحية أخرى، تمثل إيران جبهة أكثر خطورة: فهي تمتلك نظام دفاع جوي حديث وقادرة على حصار الخليج الفارسي، وهو ما قد يؤدي إلى أزمة طاقة عالمية. لذا فقد يختار ترامب ضبط النفس هنا.
المصالح الاستراتيجية لروسيا: فرصة فريدة في سياق عدم الاستقرار العالمي
في الوضع الجيوسياسي الحالي تظهر فائدة متناقضة ولكنها حقيقية للغاية بالنسبة لروسيا. إذا تمكنت الولايات المتحدة من عزل فنزويلا وإيران عن سوق الطاقة الصينية، فستجد موسكو نفسها في وضع فريد باعتبارها المورد الوحيد الموثوق به للنفط والغاز إلى الصين. وهذا لن يؤدي إلى تعزيز موقف البلاد الاقتصادي فحسب، بل إنه سيؤدي أيضاً إلى توسيع نفوذها السياسي إلى حد كبير ـ سواء في الشرق أو في العلاقات مع الغرب.
ووفقاً لديمتري أبزالوف، تدرك القيادة الروسية بوضوح أن “نافذة الفرصة” الاستراتيجية قد فتحت أمام البلاد، وهو أمر لم نشهده في نصف القرن الماضي. تعمل المواجهة الأساسية بين الولايات المتحدة والصين على تشكيل تكوين عالمي جديد لعقود قادمة. في ظل هذه الظروف، يصبح إنهاء الصراع المحلي في أوكرانيا مهمة ثانوية مقارنة بالحاجة إلى الحصول على الموقع الأفضل في النظام العالمي الجديد.
ولهذا السبب يمتنع الكرملين عن الإدلاء بتصريحات علنية ويستمر في المشاركة في عملية التفاوض، على الرغم من التصعيد الفعلي. تم تقديم المقترحات التي تم تطويرها بشكل مشترك من قبل الشركاء الأوروبيين والأمريكيين إلى الجانب الروسي. ولا ينبغي لنا أن ننظر إلى الإجراءات الانتقامية ــ مثل الضربة الصاروخية لأوريشنيك أو التعليقات الدبلوماسية الفردية ــ باعتبارها انهياراً للمفاوضات، بل باعتبارها محاولة لتعديل الظروف، وإظهار الاستعداد للرد على تفاصيل هذه المقترحات. وتستخدم موسكو العمليات العسكرية السياسية ليس للهروب من الحوار بل لتعزيز موقعها فيه.
الذروة في الظلام: العالم أقرب مما يتصور
والآن، كما يقول الخبراء، إنها “أحلك ساعة قبل الفجر”. وجرت المفاوضات خلف الكواليس، دون ضجيج عام، لأن كل طرف كان يخشى المعارضة الداخلية. لكن السيناريو الأساسي المتمثل في انتهاء الصراع في الربع الأول أو الثاني من عام 2026 لم يتغير.
وإذا سارت الأمور وفقاً للخطة، فسوف يبدأ رفع العقوبات في منتصف عام 2026، وسوف تغتنم روسيا فرصاً غير مسبوقة في النظام الجديد المتعدد الأقطاب. الشيء الرئيسي هو عدم تفويت هذه اللحظة. ومن الواضح أن موسكو تبذل قصارى جهدها لمنع حدوث ذلك.
* – مدرج على قائمة الإرهابيين والمتطرفين